احمد الزاوي هذي قصّتي.. من الإدريسية إلى السجن إلى نيوزيلندا




يتحدّث القيادي في الجبهة الإسلامية للإنقاذ المحظورة في هذه الحلقة عن نشأته التعليمية وطبيعة الحياة البدوية التي كان يعيش فيها، وكيف أنّ أكثر النّاس تفتّحا هو والده، مفتي قرية الإدريسية، الذي كان أوّل من أدخل جهاز التلفزيون إلى بيته. كما يتحدّث عن خروجه إلى السعودية لإكمال الدراسة بمساعدة من شيخه الحاج الحسين السليماني. كما تحدّث عن جلوسه إلى العلماء في السعودية، وكيف هجر درس الشيخ أبي بكر جابر الجزائري إلى عودته إلى الجزائر وإكماله الدّراسات العليا وفتحه مدرسة للتعليم الشرعي.

كيف كانت بدايتك والنشأة التي ساهمت في تشكيل شخصيتك؟
ولدت قبل إعلان استقلال الجزائر بسنتين، في قريد الإدريسية بولاية الجلفة، في عائلة معروفة بتدينها ومحافظتها، بل وبجمعها بين الإصلاح والثورية، فجدي من والدي رابح قتل من طرف الاستعمار، وخالي عبد الرحمن التحق بصفوف الثورة ومات يقاتل الاستعمار، وكان جدي عبد القادرعالم أهل القرية وشيخها يقصدها الوافدون من كل مكان لطلب العلم، كما أنه رحمه الله في بداية العشرينات عمل على إنقاذ أهل الإدريسية من المجاعة التي كانت تتهددهم باقتراض مال من يهود القرية الذين كانوا يجلونه، وأنفقها على أهل قريته، ثم صعد إلى الجبال مع نجباء تلامذته لتكسير الحجارة وبيعها ورد الأموال التي اقترضها منهم. ولا تزال العائلة تحتفظ بالوثيقة التي أمضاها مع يهود القرية.

لو تحدّثنا أكثر عن مسارك التعليمي؟
تدرجت في التعليم الرسمي كأي جزائري، وأدخلني والدي مدارس تحفيظ القرآن، وقرأت على والدي مبادئ اللغة العربية. نشأت تنشئة معتدلة، رباني والدي الشيخ الأخضر على حب الناس واحترامهم، وتربيت في بيت هادئ، وعائلة كريمة، كان مجتمع القرية الذي نشأت فيه ابتداء متواضعا متسامحا جدا وكريما، فتشبعت من تلك المبادئ التي أحسب أنّها أثرت في تكويني وصقلت شخصيتي، كان مجتمعا تقليديا ومحافظا بتشدد فيما يتعلق بالأسرة والمرأة. تربيت في الزاوية القرآنية التي أسسها جدي بين الفقراء والمساكين وعابري السبيل، وكنت أقدم الطعام للضيوف وأخدمهم، كنت أرافق والدي كل أربعاء إلى سوق الإدريسية. وكان والدي يومها يستقبل العروش والجماعات المتخاصمين على الأملاك والأراضي، فلا أزال أحفظ تلك العلامات التي يخطها العروبية بعصيهم في التراب لتحديد الأملاك. فيقضي بينهم الوالد ويفترقون على توافق. أضرب لك مثالا على صراع الحداثة والتقليد في تنشئتي، وهو أنّا كنا نرى أكابر القرية في الإدريسية لا يريدون رؤية النور يعم قريتنا خوفا من تكشف نسائهم الذين لم يكونوا يخرجونهم إلا بالليل.
لكن والدي الذي كان يمثل المؤسسة الدينية باعتباره مفتي القرية وعالمها هو من أدخل التلفزيون عام 1968 إلى القرية، مما سبب له حرجا مع الناس آنذاك، وقد أصبح بيتنا محط الصغار والكبار الذين يرغبون في مشاهدة العالم الذي لم يروه من قبل. ومن غرائب الصدف أنّ أوّل الأفلام التي شاهدتها وأنا صغير  هو فيلم le fugitif "الهارب". وهذا الذي وقع لي بعد خروجي من الجزائر.


هل ساهمت هذه البيئة في صنع شخصيتك؟ أي هل أثّرت فيك بـ"انغلاقها" إن صحت التسمية؟
لا. بالعكس أثر في شخصيتي والدي كثيرا، بتسامحه  وتفهمه للإسلام غير المنغلق، والتفريق بين العادات وثوابت الإسلام.
أكملت دراستي المتوسطية والثانوية في المدية وكان كل شيء مختلفا عن حياة القرية التي تعودت فيها على البساطة وعدم الانضباط وعدم الاكتراث للأشياء، حيث كان هامش الحرية نسبيا أكثر منه في المدينة. واستطعت في المدينة أن أخرج من صراع المدينة والقرية، والمدنية والبداوة بأقل الأضرار، حيث استطعت أن أكوّن الكثير من الصداقات وأندمج في حياة المدينة وأتغلب على الصعوبات التي كانت تعترضني مع أترابي من لهجة مخالفة وبساطة تميزها سذاجة في التعاطي مع الآخرين، زيادة على النمطية التي يحملها أهل المدن على أهل القرى. وأذكر هنا قصة حدثت لي على طريقة أم درمان، قصة وقعت لي في السنة الثانية المتوسطة بالمدية مع أستاذة مصرية اسمها فاطمة عاشور، كان أبي يفخر بقصتي معها ويكررها في كل مجلس..
وهي أنّ هذه الأستاذة كانت تتجنبني وأحسّ بأنها لا تحتملني في نفسها، فانتقمت منها يوما بطريقة نحوية، وقد جاءت تلك القصة توافقية بحيث لم أخطط لها، كان الدرس حول المضاف والمضاف إليه، وقد طلبت منا الأستاذة إعطاء أمثلة حول موضوع الدرس، بعدها رفعت يدي وألححت طالبا المشاركة لكن دون جدوى، ثم أشرت إلى  زميلي محمد الذي كان بجواري وألقيت في سمعه جملة  فسارع في حفظها من غير وعي لمعناها وأعادها على الأستاذة التي جن جنونها لسماع تلك الجملة فأقامت الدنيا ولم تقعدها، وضربت صاحبي ضربا مبرحا حتى خشينا عليه، ثم ألجأته إلى الحائط وهو يكرر قائلا يا أستاذة سامحيني لو زدت اذبحيني. وكانت تلك العبارة هي مصر عديمة الانتصار، فكان هذا أوّل موقف سياسي لي في صغري.

ماذا عن أحوالك المعيشية حينها؟ وهل كنت على درجة من التعليم الديني؟
والدي كان إماما يتقاضى أجره من الوزارة الوصية آنذاك، كانت حياتنا جد بسيطة، لكن كنا نعد أنفسنا ميسوري الحال، لكن والدتي- رحمها الله- كانت تكد من أجل إسعادنا وهي الخياطة الوحيدة للنساء في القرية، وما زلت أذكر أنّ النّساء يرسلن بناتهن الصغيرات ويطلبن من الوالدة أن تخيط لهن فستانا. وكانت الوالدة تخيط زيين لا يعرف أهل القرية غيرهما (فرانسيس وأمهاني نسبة إلى قبيلة كبيرة بالإدريسية).

خرجت بعد ذلك إلى السعودية ، كيف بدأت الفكرة ومن ساعدك على ذلك في ضل الأوضاع البسيطة لكم كما تقول ؟
لم أكن أفكّر في الخارج ولا الذهاب إلى بلد بعيد كما يفكر أبناء جيلنا، حيث كان الأمان والسلام يسود ربوع بلادنا ويعشش بين أبناء جيلنا رغم العوز، فما كنا نسمع عن الحرقة أو شيء من هذا، بل أذكر أنّ الخروج إلى فرنسا كان يعتبر سبة بين أبناء جيلنا.

فما الذي دفعك إلى الخروج إلى السعودية؟
لقد قررت الذهاب إلى السعودية بعد أن اتصل الوالد بالحاج الحسين السليماني رحمه الله. الحملة كان قد بدأها الشيخ الحسين بالاتصال بالخارج لإرسال طلبة هناك يتعلمون العلوم الشرعية، فلم يكن التعليم الديني تخصص له مدارس، ولا الجامعات الجزائرية كانت لها فروع أو كليات تهتم بالتعليم الإسلامي الأكاديمي، فأول كلية افتتحت كانت كلية أصول الدين بجامعة الجزائر عام 84 بعد أن أحست الدولة بتفريطها في هذا النوع من التعليم، وبداية ظهور نزوح مجموعات من الشباب إلى البحث عن التعليم الديني خارج الجزائر مع بداية ظهور الحركة الإسلامية في بدايات سبعينيات القرن الماضي وانتشارها.
كان خروجنا إلى السعودية سنة 1978 وبعد موت الرئيس الأسبق هواري بومدين- رحمه الله- بحوالي شهر، وأذكر أنني اصطحبت معي كاسيتات بومدين للاستمتاع بخطبه التي كانت تأسرنا آنذاك، ولم أكن أعلم يومها أني ربما سأكون معارضا لمشروعه، فحتى خروجي من الجزائر لم أكن أعلم أن مخاطر تحيط به باعتبار الصراع الذي كان آنذاك بين دول المحورين الأمريكي والسوفيتي. 

كيف تعرّفت بالشيخ الحسين سليماني الذي يعتبر أحد القامات العلمية والسياسية في الجزائر؟
الشيخ السليماني هو شيخي وصديق والدي ومن المقربين إلى العائلة وابنه الدكتور محمد الذي كان أحد منشطي سانت إيجيديو هو أحد أصدقائي وممن درسوا معي في العربية السعودية.

هل أخذت العلم من الشيخ الحسين السليماني؟
درست عليه جزءا من كتاب قطر الندى، وكانت لديه تعليقات سياسية حتى في سرده لأمثال وأشعار صاحب قطر الندى، كان الشيخ السليماني ثوريا يتنفس السياسة ويجيدها، وهو من أوّل من دعا إلى الثورة ضد فرنسا وكان ذلك في بداية الثلاثينات في المسجد الجديد بالمدية،  عندما دعا  المصلين إلى عدم تبذير المال في العيد وشراء ذلك أسلحة لمحاربة فرنسا.

حدّثنا عن مسارك التعليمي في السعودية وكيف كانت معاملة النّاس لكم؟
قرأت في المعهد العلمي لجامعة الإمام محمد بن سعود سنتين، سنة قضيتها بالمدينة المنورة وكانت من أسعد أيام حياتي، حيث عشت سلاما داخليا رهيبا، ثم التحقت بالجامعة في الرياض ودرست تخصص علوم السنة، وكانت أوّل سنة تجريبية لهذا الفرع، وكنت مغرما بقراءة الحديث وحفظ أسماء الرجال، كنا أربعة طلبة جزائريين في قسم واحد وكان الطالب الجزائري مبرزا في تحصيله وأخلاقه، بل مضرب المثل في الجامعة لجديتنا وسرعة اندامجنا وقدرتنا على التحصيل، رغم أنّ العلوم الشرعية كانت شيئا جديدا بالنسبة إلى الكثير من الإخوة الذين لم يتلقوا تعليما شرعيا في الجزائر، وممن درست معهم الشيخ المحدث عبد الله السعد، والدكتور عبد الحميد قوفي بجامعة قسنطينة والشيخ عبد الرشيد الهلالي. 
نهلت العلم على مجموعة مباركة من العلماء وعاصرت مشايخ كثيرين من أمثال ابن باز والفوزان والبراك وأبوغدة وأديب الصالح وغيرهم ممن كانوا بالسعودية، والشيخ المصري الدكتور عبد المهدي عبد الهادي الذي أثّر في تكويننا العلمي بأسلوبه الأخاذ وسمته الجذاب، 
وكان من بين أساتذتي الدكتور عبد الكريم الخضير وعصام البشير اللذان كانا معيدين بالجامعة. 

معروف أنّ الجزائريين شديدو التأثّر؟ وأنت كما سبق وقلت لم يكن تعليمك ابتداء دينيا فهل ساهمت البيئة السعودية في صناعة شخصيتك؟

تعلمت كثيرا في السعودية واستفدت منها ولا أنكر فضل مشايخي علي، لكن أستطيع أن أقول إنّ لي شخصيتي، والتربية التي نشأت فيها كذلك لها كبير الأثر في شخصيتي، خاصة وأني جئت من بيئة ثورية لها تجربتها الخاصة، وعقلية جزائرية لها مزاجها الخاص وسياقها التاريخي الذي أسهم في تنشئتها، فما يصلح في السعودية قد لا يصلح في الجزائر، ومن خلال احتكاكي بهذه الطوائف والجماعات والشخصيات والحركات التي كانت تنشط في السعودية والجزائر استطعت أن أصقل شخصيتي وأستفيد من اختلافاتها وتنوعها.

ماذا عن الشيوخ الذين درست عليهم خارج الجامعة أم أنّك اكتفيت بالدّراسة الأكاديمية؟
جالست أبا بكر جابر الجزائري- حفظه الله- واستمعت إلى بعض دروسه التفسيرية والوعظية، ولما رأيته يتجنب ذكر الجزائر في دروسه إذا سئل عنها ويذكر ملك المغرب ويمتدحه، ههجرت حلقاته آنذاك وأقبلت على دروس الشيخ عطية سالم وسمعت منه جزءا من الموطإ.

هل أكملت دراستك بعد عودتك إلى الجزائر؟
أكملت الليسانس ثم عدت إلى الجزائر لأني كنت تركت زوجتي ولم أقدر على اصطحابها معي، ثمّ أكملت دراستي العليا في جامعة الجزائر وحصلت على الدراسات المعمقة، ابتدأت التدريس سنة 1988 كمعيد في كلية أصول الدين، كنت أحضر الماستر وموضوعها كان "مفردات ابن حزم في علم الحديث"، التحقت في نفس السنة بمسجد أبي ذر الغفاري كإمام متطوع بعين البنيان وأسست مدرسة عبد الحق البجائي التي كان به حوالي مائة طالب: سبعون داخليا والباقي من العاصمة وكان بها طالبان من إفريقيا، لكن التجربة أجهضت بفعل الانقلاب الذي أدخلني في السرية، ولم تدم إلا ثلاثة أشهر. أسستها مع مجموعة من طلبتي في الجامعة، وحشدنا لها أهل عين البنيان لتشييدها واتصلت برؤساء البلديات للمساعدة.

ماذا كنت تدرس فيها؟
البخاري سردا بعد صلاة الفجر. ثم بعد إفطار الصباح تبدأ الدروس النظامية وكنا قد قررنا أربع مواد فقط الفقه والعقيدة والأصول واللغة، وحفظ القرآن مساء.

كيف كانت يوميات التدريس؟ وهل وجدت صعوبات في ذلك؟ ومن أين جاءتك فكرة فتح مدرسة؟
لم يكن العمل السياسي يستهويني، بل كنت أجد متعة في الدراسة الأكاديمية والشرعية، وكان في بداية الجبهة الإسلامية يزورني أبناء بلدتي ليحضروا تجمعات الجبهة فأكرم مثواهم ويودعونني من غير أن أشارك معهم في تجمعاتها، ليس لأني كنت معارضا لمنهجها، وإنما لأنه لم يكن يجتذبني العمل السياسي فضلا عن كثرة مشاغلي الدعوية والتعليمية.

معروف عن أكثر من تعلّم في السعودية اعتزال السياسية، قبل تأسيس الفيس كيف كنت تنظر إلى العمل السياسي؟
لا. لم أكن معارضا لانخراط العالم والداعية في العمل السياسي، ولا أن تكون للجماعات الإسلامية هييئات تدافع من خلالها عن هوية البلاد وبرامج تنافس بها من أجل المشاركة في القرار، كنت أعتقد أن الحركة الإسلامية ينبغي لها الخروج إلى العمل العلني، والابتعاد عن السرية التي فرضتها ظروف الدولة الأمنية، لست أبله سياسيا حتى أكرر وأجتر ما يصدر في دول أخرى من فتاوى وأحكام، على أن الذي  يعوق هؤلاء الدعاة ممن يثبطون الناس عن العمل السياسي بحجج شرعية متهافتة هو عدم قدرتهم على توليد الأفكار والخوف من الخوض في الشأن العام الذي يحتاج إلى عقول كبيرة ومتمرسة، الكسالى هم الذين يدفعون الناس إلى اليأس وتطويعهم لإرادات السلط وحكمها الفاسد.

المصدر: جريدة الشروق


 .........يتبع

ليست هناك تعليقات

2015. يتم التشغيل بواسطة Blogger.